أنتج مركز سودها غوبالاكريشنان للدماغ في المعهد الهندي للتكنولوجيا بمدراس ما يصفه بأنه أدق أطلس ثلاثي الأبعاد لجذع الدماغ البشري على مستوى الخلايا، وفق ما أورده تقرير لـ«بي بي سي نيوز» نشر في 13 يوليو 2026. ويحمل الأطلس اسم «أنكور» ويجمع أكثر من 500 مقطع نسيجي من أدمغة أجنة وأطفال وبالغين، ويحدد أكثر من 200 تجمع خلوي في الدماغ مع المسارات العصبية المرتبطة بها. ويعتمد على صور مجهرية عالية الدقة وثماني علامات كيميائية بدلاً من الأساليب الجزيئية الباهظة التكلفة، ليوفر مورداً رقمياً يتيح التنقل من صور الرنين المغناطيسي للدماغ بأكمله حتى الخلايا العصبية المنفردة مع الحفاظ على العلاقات المكانية. وأتاح المركز الأطلس مجاناً عبر الإنترنت ليكون مرجعاً للباحثين والأطباء العصبيين وجراحي الأعصاب في مختلف أنحاء العالم.
ويغلق خريطة جذع الدماغ هذه فجوة قائمة منذ زمن في علم الأعصاب، إذ يسيطر هذا الجزء الصغير من الدماغ على وظائف حيوية أساسية مثل التنفس ونبضات القلب والنوم والحركة، كما أوضح تقرير «بي بي سي نيوز». ويمكن للإصابة بتجمعات خلوية محددة فيه أن تؤدي إلى عواقب كارثية، غير أن بنيته الكثيفة حالت دون رسم خرائط دقيقة له لعقود طويلة. وشارك في المشروع نحو 20 عالماً أمضوا 18 شهراً في تحليل أكثر من 200 مقطع دماغي لدمج بيانات الرنين المغناطيسي والتشريح المجهري والتصميم ثلاثي الأبعاد. وقال موهاناسانكار سيفابركاسام رئيس المركز لـ«بي بي سي نيوز» إن الدراسات التفصيلية لأنسجة الدماغ البشري لا تزال محدودة جداً رغم التقدم الكبير في رسم خرائط أدمغة الحيوانات.
ووصفت ريبيكا فولكيرث المنتسبة إلى كلية الطب بجامعة هارفارد وجامعة نيويورك والمتعاونة في المشروع، الأطلس بأنه يحقق حلماً قديماً في علم أمراض الجهاز العصبي، كما أشار تقرير «بي بي سي». وقالت فولكيرث التي فحصت آلاف الأدمغة على مدى أكثر من ثلاثة عقود: «ما أبدعه المركز الهندي هو في الأساس ما حلمت به في بداية مسيرتي المهنية، أن تتطابق صور الدماغ مع تشريحه المجهري». وليس الأطلس أداة تشخيصية، لكنه يمكن أن يساعد في مقارنة الأنسجة السليمة بالمريضة لتعميق الفهم لحالات من بينها مرض باركنسون والسكتة الدماغية ومرض ألزهايمر ومتلازمة الموت المفاجئ للرضع. وقال بارثا ميترا من مختبر كولد سبرينغ هاربور الذي تعاون أيضاً مع المركز إن مثل هذه الأطالس الدقيقة قد تحدث تحولاً في أبحاث الأمراض العصبية من خلال الكشف عن الاختلافات على مستوى كل خلية.
وتأتي هذه المبادرة الهندية ضمن موجة من مشاريع رسم خرائط الدماغ العالمية التي تسارعت خلال السنوات الأخيرة، بحسب مراجعة صادرة عن مشروع الدماغ البشري. وأنتج المشروع الأوروبي الذي امتد بين 2013 و2023 أطالس دماغ رقمية وأدوات نمذجة ومنصات محاكاة أصبحت متاحة الآن عبر بنية EBRAINS. أما في الولايات المتحدة فقد أصدرت شبكة أطلس خلايا مبادرة BRAIN أول مجموعات بيانات رئيسية عن الدماغ البشري في أكتوبر 2024، مستندة إلى خرائط سابقة لأدمغة الفئران والرئيسيات، كما أفاد معهد ألين لعلوم الدماغ. وتظهر هذه الأنشطة الدولية أن التقدم في هذا المجال بات يعتمد على الهندسة والحوسبة والتعاون واسع النطاق بقدر اعتماده على علم الأحياء التقليدي.
وتواجه الهند عبئاً كبيراً من الاضطرابات العصبية التي يمكن أن تستفيد من موارد رسم الخرائط هذه، بحسب إحصاءات منظمة الصحة العالمية. وأشارت المنظمة إلى أن 57 مليون شخص أصيبوا بالخرف حول العالم في 2021، وأن أكثر من 60 بالمئة من الحالات تقع في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، مع نحو 10 ملايين حالة جديدة كل عام. وحددت دراسة نشرت في مجلة «ألزهايمر آند ديمينشيا» معدل انتشار الخرف بين البالغين الهنود البالغين 60 عاماً فأكثر بنسبة 7.4 بالمئة، أي نحو 8.8 ملايين شخص، مع ارتفاع أكبر في المناطق الريفية وبين الأقل تعليماً. ويعتزم مركز سودها غوبالاكريشنان للدماغ الآن تصوير أكثر من 100 دماغ بشري كامل عبر مراحل العمر وحالة الأمراض بما في ذلك ألزهايمر والخرف، مستكملاً ما أنجزه سابقاً من خرائط لأدمغة الأجنة في الثلث الثاني من الحمل، كما جاء في إعلان صادر عنه في نوفمبر 2025.
وبدأ المشروع عام 2017 بدعم من رائد الأعمال في تقنية المعلومات كريس غوبالاكريشنان، وانتقل إلى مرحلة التطوير الرسمي في 2020 بعد أن طور المركز تقنية تصوير متقدمة خاصة به، بحسب تصريحات سيفابركاسام أمام اجتماع لأكاديمية العلوم العصبية الهندية. وقال سيفابركاسام: «الدماغ معقد للغاية إذ يضم أكثر من 100 مليار خلية وتريليونات من الروابط. واليوم يتيح لنا التصوير بالرنين المغناطيسي رؤية الدماغ فقط على مستوى المليمتر. أما عملنا فيهدف إلى التقاط الدماغ البشري بدقة كل خلية على حدة». ووصفت شبها تولي من معهد تاتا للبحوث الأساسية البرنامج بأنه جهد رؤوي يضع الهند على الطاولة الدولية من خلال دمج الهندسة وعلم الأعصاب والطب، كما أضاف تقرير «بي بي سي نيوز».
EN