يبلغ عرض حطام السفينة ستة أمتار، وهو مكدس بجرار خزفية محفوظة جيدا كانت تستخدم نقل النبيذ وزيت الزيتون والحبوب، وفق التفاصيل التي قدمتها السلطات الإيطالية عقب تفقد الغواصين. أبلغ الصياد والغواص الحر جاكومو دي مولا عن الموقع بعد أن لفت الصيادون انتباهه إلى تشكيل غير مألوف في قاع البحر قبالة سواحل صقلية. وأرسلت وحدة الكارابينييري للفنون – الوحدة الشرطية المتخصصة في حماية التراث الثقافي – غواصيها إلى المكان فأكدوا وجود السفينة التجارية التي يعود تاريخها إلى أكثر من ألفي عام.
روى دي مولا كيف اقترب من الشذوذ في مقابلة أجراها بعد الاكتشاف. «اقتربت أكثر. توقف قلبي. لم تكن صخرة»، قال. ووصف اللحظة بأنها «أعظم اكتشاف في حياتي»، مشيرا إلى صعوبة نقل الشعور بالوقوف بين أوائل البشر الذين شاهدوا المكان منذ نحو عشرين قرنا، فيما يراقب ثعابين البحر والأسماك المتعددة وكائنات بحرية لا تحصى تقطن الجرار الآن.
وصف وزير الثقافة أليساندرو جيولي حطام السفينة بأنه أحد أبرز الاكتشافات الأثرية تحت الماء خلال السنوات الأخيرة، في بيان أصدره عقب التقييم الأولي. ووضع المسؤولون تدابير وقائية لحماية الموقع أثناء التحقيقات الجارية لتحديد عمره الدقيق وبنيته ومحتويات شحنته. وبدأت عملية الاكتشاف حين شارك دي مولا تسجيلات فيديو تظهر حقل الأمفورات على قاع البحر.
حدد علماء الآثار البحريون قرابة 1800 حطام سفينة قديمة في البحر المتوسط والبحر الأسود منذ تكثيف المسوحات المنهجية في ثمانينيات القرن الماضي، بحسب مراجعة نشرتها مجلة علوم البحار والهندسة. وسجل مشروع اقتصاد روما في أكسفورد نحو 600 حطام إضافي اكتشف منذ 1992، كثير منها يعود للعصر الروماني حين بلغت التجارة البحرية أوجها. وتواصل هذه الاكتشافات التراكمية توسيع المعرفة بأنماط الملاحة القديمة في المنطقة.
تظل الأمفورات من أثمن الآثار لإعادة بناء التجارة الرومانية، إذ تكشف أشكالها وأختامها وبقاياها عن مصادر البضائع ووجهاتها وحجم شبكات التبادل، وفق تحليل أجراه الباحث بي. كومار عام 2025 ونشر في مجلة علم الآثار. أظهرت الدراسة التي شملت أكثر من 28 ألف شظية تشخيصية من 66 موقعا إيطاليا أعلى مستويات الاندماج السوقي وتنوع المنتجات خلال الفترتين الجمهورية المتأخرة والإمبراطورية المبكرة، تلاها تراجع واضح بعد 200 ميلادية. كما سمحت القواعد المستدقة للحاويات بتراصها الآمن داخل هيكل السفينة المنحني، مما ييسر اللوجستيات البحرية لمسافات بعيدة التي دعمت اقتصاد الإمبراطورية.
عثرت السلطات الإيطالية على سفينة مماثلة تعود إلى القرن الأول أو الثاني قبل الميلاد محملة بمئات الأمفورات شمال غرب روما عام 2023، كما اكتشفت سفينة تجارية يونانية يزيد عمرها على 2400 عام سليمة قبالة الساحل البلغاري عام 2018، بحسب ما أوردته السلطات الإيطالية في تعليقاتها السياقية على الاكتشاف الصقلي. ويضيف الاكتشاف الجديد قرب مازارا دل فالو بيانات إضافية إلى هذا السجل في وقت تسرع فيه المركبات الآلية عن بعد وتقنيات الغوص المطورة من وتيرة المسوحات تحت الماء. ويتوقع أن يسفر الفحص المخبري الإضافي للأمفورات عن توضيح الطريق المقصود للسفينة والسلع المحددة التي كانت تحملها لحظة غرقها.
EN