قدرت وزارة الداخلية عدد المشاركين في التظاهرات على مستوى البلاد بنحو 410 آلاف شخص منهم 110 آلاف في باريس، بينما قدرت النقابات العمالية الرقم الحقيقي بنحو ضعف ذلك. وقال وزير الداخلية لوران نونيز إن المسيرات النهارية مرت بهدوء نسبي قبل أن تنفصل مجموعات عالية المخاطر في المساء وتنخرط في أعمال العنف، الأمر الذي دفع شرطة مكافحة الشغب إلى إطلاق الغاز المسيل للدموع واستخدام مدافع المياه قرب بوابة فينسان في العاصمة. واندلعت مواجهات مماثلة في مرسيليا حيث أغلق شباب الطرق باستخدام حاويات محترقة ونهبوا عدة متاجر من بينها متجران للمجوهرات، إضافة إلى ليون وبوردو وغرونوبل وليل ورين ونانت وتولوز وكليرمونت فيران.
أوضح نونيز للصحفيين أن مثل هذه العناصر المشاغبة ظهرت في معظم المسيرات، متهما نشطاء اليسار المتطرف والعصابات الإجرامية بالسعي إلى إثارة الاضطرابات، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن شدة العنف كانت أقل مما سُجل قبل أسبوع. وقد نشرت السلطات 70 ألف شرطي ودركي في أنحاء البلاد، بزيادة 10 آلاف عن نهاية الأسبوع السابق الذي شهد أكثر من 1200 اعتقال إثر أعمال نهب واسعة وحرق مبان عامة وإصابة نحو 150 من عناصر الأمن. وأصيب متظاهران على الأقل بجروح خطيرة في 24 أكتوبر، أحدهما في تولوز فقد أصابعه والآخر في كليرمونت فيران.
نشأت التظاهرات من تحركات قادها الطلاب بدأت منتصف سبتمبر في مدارس مثل ثانوية سان إكسوبيري في كريتاي، حيث احتج التلاميذ على المرافق المتداعية ونقص المعلمين وسوء الأوضاع، قبل أن يتسع نطاق الحركة ليشمل الشكاوى المزمنة بشأن تكلفة المعيشة والفوارق الاقتصادية. وانتقد المتظاهرون تركيز الحكومة على تأمين التظاهرات المدرسية بدلا من تقديم حلول سياسية، وهي نقطة أبرزتها تغطية وسائل الإعلام المختلفة. وقد جمعت الأحداث بين طلاب المدارس الثانوية والجامعات والنقابات وعناصر تشبه حركة «السترات الصفراء» التي ظهرت أول مرة عام 2018.
حولت السلطات في باريس مسار المسيرة الرئيسية إلى الجهة الجنوبية الشرقية للمدينة في إشعار قصير لتقليل المخاطر في الأحياء المركزية، وهو قرار أيدته محكمة إدارية. ورغم الهدوء النسبي خلال النهار في كثير من المواقع، سُجلت أعمال تخريب معزولة وحواجز مع تفرق الحشود، فيما أفاد مكتب المدعي العام في باريس باعتقال 64 شخصا في العاصمة وحدها، ستة منهم قاصرون، معظمهم للاشتباه في حيازة أسلحة أو التحضير للعنف. وأشارت وسائل الإعلام الفرنسية إلى أن إجمالي الاعتقالات على المستوى الوطني اقترب من ألف بحلول المساء المتأخر وقد يرتفع أكثر.
يمثل هذا الأسبوع الثاني على التوالي من التظاهرات الكبرى اختبارا لسلطة الرئيس إيمانويل ماكرون خلال الأشهر الأخيرة من ولايته قبل الانتخابات العام المقبل، إذ يمزج الاضطراب بين شكاوى قطاع التعليم والضغوط الاقتصادية الأوسع التي تفاقمت بعد الجائحة. واعترفت وزارة الداخلية بأنها قللت من تقدير حجم الاضطرابات في نهاية الأسبوع السابق، والتي أضرت بآلاف المتاجر ودفعت إلى تعزيز الإجراءات الأمنية بما في ذلك دعم عسكري في مناطق محددة. وشدد نونيز على أن مراكز التسوق حظيت بحماية أقوى هذه المرة، مما أدى إلى تقليص حجم أعمال النهب والتخريب.
تعكس الحركة إحباطا عاماً مستمرا من تراجع الخدمات العامة وارتفاع تكاليف المعيشة الذي استمر لسنوات، مع مطالبة النقابات بزيادة الاستثمار في البنية التحتية التعليمية واتخاذ إجراءات لتخفيف الأعباء على ميزانيات الأسر. وأكد المسؤولون أن الرد يوازن بين حفظ النظام والاعتراف بالمظالم المشروعة، حتى مع استمرارهم في نسب معظم أعمال العنف إلى مجموعات هامشية منظمة وليس إلى الغالبية العظمى من المتظاهرين. وتبقى احتمالات تنظيم احتجاجات إضافية واردة في الأيام المقبلة نظرا لعدم وجود حلول فورية للمشكلات الأساسية.
EN