يتطور الذكاء الاصطناعي في المجال القانوني بوتيرة أسرع من أي قطاع آخر في الخدمات المهنية تقريباً. وبحلول أواخر 2025، أشار نحو سبعة من بين كل عشرة متخصصين قانونيين إلى استخدامهم أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في أعمالهم، أكثر من ضعف النسبة قبل عام. غير أن هذا الارتفاع جاء غير متوازن؛ إذ تركز بين الممارسين المنفردين بينما تتخلف المكاتب في تبني السياسات والحوكمة، ويعتمد شبه كلياً على أدوات مدربة لنظام القانون المشترك باللغة الإنجليزية. أما في الخليج، حيث تعتمد الممارسة القانونية على اللغة العربية ونظم القانون المدني، فيخلق ذلك فجوة بنيوية. وقد أسس خالد الراشد «عقود إيه آي» لسدها.
لقد واجه المشكلة من داخلها. إذ مارس المحاماة على مدى 15 عاماً، وكان آخر مناصبه شريكاً إدارياً في مكتب «تقنين» الإقليمي، حيث كان يتنقل عمله باستمرار بين العربية والإنجليزية وعبر تشريعات القانون المدني. كما درس تقنيات القانون والذكاء الاصطناعي في معهد «إم آي تي» و«إسادي»، وهو جمع نادر لا يزال في سوق يغلب على مؤسسيه أن يكونوا إما من خلفية قانونية أو تقنية، ونادراً ما يجمعون بين الاثنتين.
يقول الراشد: «كانت الأدوات المتوفرة إما بالية أو منصات دولية لا تدعم أعمالنا المحلية والإقليمية على النحو الأمثل». ويشخص المشكلة كمحامٍ، إذ يركز ليس على الميزات بل على التوافق. «تعمل دول الخليج باللغة العربية وأنظمة القانون المدني. فكل عقد ومرافعة وإيداع تنظيمي قد ينتقل بين العربية والإنجليزية بلا سابق إنذار. والأداة التي لا تستطيع التعامل مع هذه البنية ليست ناقصة فحسب، بل إنها تشكل عبئاً أمام العميل».
يدعم السوق هذه الرؤية. فقد تبدو نحو 900 مكتب محاماة في دول مجلس التعاون الخليجي قاعدة متواضعة، لكن القيمة الحقيقية لا تكمن في بيع البرمجيات للمكاتب المحلية، بل في السيطرة على طبقة البيانات القانونية العربية لمنطقة تشمل الشركات والحكومات والمكاتب الدولية التي تحتاج إلى تقنية قانونية تعمل باللغتين وفق المعايير العالمية. ويقدر الراشد حجم الفرصة المتاحة بنحو 4 مليارات دولار.
وتعمل العوائق التي تبطئ وتيرة التبني لمصلحة المطور الإقليمي. إذ يرى نحو 4 من كل 10 مكاتب أن خصوصية البيانات مصدر قلق أساسي، فيما تشير نسبة مشابهة إلى مسألة الأمن، بغض النظر عن الحجم أو نوع الممارسة. وتتفاقم هذه المخاوف في أرجاء مجلس التعاون بفعل السياسات الوطنية، إذ تعتبر هيئة البيانات والذكاء الاصطناعي السعودية ونظام حماية البيانات في الإمارات إقامة البيانات وسيادتها قضايا دولة. فأي منصة تعالج بيانات قانونية حساسة خارج المنطقة، أو لا تستطيع إثبات تلبيتها للمتطلبات المحلية، ستفشل لأسباب تنظيمية قبل حتى مناقشة الميزات.
وبُنيت «عقود إيه آي» خصيصاً لهذه القيود: منصة على مستوى المؤسسات للممارسة القانونية ثنائية اللغة وفق القانون المدني، معتمدة وفق معايير ISO وSOC 2، وتحافظ على متطلبات تنظيم البيانات عبر المنطقة من خلال بنية مرنة. وفي أقل من عامين ونصف، انتقلت من مجرد فكرة إلى منصة متوفرة في السوق، وحصلت على جولة تمويل أولية لدعم التوسع في مجلس التعاون الخليجي، وأبرمت شراكة استراتيجية مع نقابة المحامين الكويتية. والرهان هنا هو أن الذكاء الاصطناعي القانوني في المنطقة سيُعرف بمن يبنيه بالتعاون مع المؤسسات التي تحدد معايير المهنة، لا بمن يبيعه من الخارج.
يقول الراشد: «يمكنك امتلاك أكثر الأدوات تطوراً في العالم، لكن إذا لم تفهم النظام القانوني الذي تمارسه فعلياً واللغات التي تعمل بها فعلياً، فإنها تحل مشكلة شخص آخر لا مشكلتك».

