دخلت كندا في ركود فني مطلع العام الحالي بعد انكماش الناتج المحلي الإجمالي لربعين متتاليين، بحسب بيانات صادرة عن إحصاءات كندا في الأسابيع الماضية. ويثير ذلك تساؤلات جديدة حول مدى صعوبة الوضع الذي يواجهه الاقتصاد مع تعامله مع اضطرابات التجارة والضعف الهيكلي.
قضى رئيس الوزراء مارك كارني السنة الماضية في الترويج لكندا كوجهة استثمارية، مع التزام ببناء أقوى اقتصاد ضمن مجموعة السبع من خلال الإنفاق على مشاريع البنية التحتية والاستثمار في الدفاع ومضاعفة الصادرات غير الموجهة إلى الولايات المتحدة خلال العقد المقبل. وتتوقع الجهات الدولية تعافياً محدوداً فقط، حيث يتوقع صندوق النقد الدولي نمواً بنسبة 1.6% في عام 2026، فيما تتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نمواً بنسبة 1.2% هذا العام قبل أن يرتفع إلى 1.7% في 2027.
خفض اقتصاديو فانغارد توقعاتهم لنمو الناتج المحلي الإجمالي في 2026 إلى 1.5% عقب البداية الضعيفة، مشيرين في تقرير صدر في 12 يونيو إلى أن الانكماش تأثر بعوامل مؤقتة شملت زيادة واردات الذهب وإغلاقات مصانع السيارات الموسمية، في حين ظل الطلب المحلي النهائي قوياً. ويرى معهد سي.دي. هاو أن وصف الركود الفني لا يعكس الصورة الكاملة، إذ قال رئيسه جيريمي كرونيك إن الاقتصاد يعاني من ضعف مستمر منذ عقد، وهو ما يتطلب إصلاحات هيكلية مثل خفض الحواجز التجارية بين المقاطعات وإصلاح نظام ضريبي غير تنافسي. أما اقتصاديات تي.دي. فقد أبرزت ضعفاً عاماً في توقعاتها الإقليمية الصادرة في 19 يونيو، حيث خفضت توقعات النمو لعام 2026 خاصة في أونتاريو وكولومبيا البريطانية، رغم توقع تحسن في النمو للفرد الواحد في جميع المناطق.
ارتفع التضخم إلى 3.2% في مايو مقارنة بـ2.8% في الشهر السابق، مدفوعاً إلى حد كبير بأسعار الطاقة المرتبطة بالتداعيات العالمية للصراع في إيران، وهو نمط مشابه للاقتصادات الأوروبية لكنه أقل من المستويات الأمريكية بحسب أرقام إحصاءات كندا. وقد أبقى بنك كندا سعر الفائدة الرئيسي ثابتاً عند 2.25% حتى يونيو، مشيراً إلى إمكانية تجاوز الصدمات الناتجة عن العرض طالما ظلت توقعات التضخم مستقرة، وهو قرار أورده تقرير السياسة النقدية الصادر في أبريل. ووجد استطلاع حديث لمعهد أنغوس ريد أن 61% من الكنديين يرون تكاليف المعيشة كأكبر قلقهم، متقدمة على الإسكان والتعريفات الأمريكية، فيما وصف أكثر من ثلثهم وضعهم المالي بأنه صعب أو صعب جداً، وترتفع هذه النسبة إلى 45% بين المستأجرين.
تحمل الأسر الكندية أكبر عبء ديون ضمن مجموعة السبع، ومعظمها مرتبط بالرهون العقارية التي عززت من حقوق الملكية لأصحاب المنازل الحاليين لكنها أبقت الكثير من الشباب خارج السوق، بحسب تحليل بول كيرشو من جامعة كولومبيا البريطانية. وبلغت نسبة البطالة بين الشباب 13.4% في مايو، بانخفاض طفيف لكنها لا تزال أعلى بكثير من المتوسطات السابقة للجائحة التي كانت قريبة من 10%، في حين استقر المعدل العام عند 6.6% مع تركز الضعف بين العمال الأصغر سناً وذوي الخبرة الأقل، وفق بيانات فانغارد. وقال كيرشو، الذي أسس مجموعة الإنصاف الجيلي «جينيريشن سكويز»، للصحفيين إن الاقتصاد يخفق في خدمة الشباب الكنديين والوافدين الجدد بشكل غير متكافئ، معتبراً أن خطط الإنتاجية طويلة الأجل لن تفيد كثيراً أولئك الذين يعانون من مشكلات القدرة على تحمل التكاليف الفورية.
لا تزال أكثر من 70% من الصادرات الكندية تتجه إلى الولايات المتحدة، مما يعرض الشركات للتعريفات القطاعية التي تتراوح بين 15 و50% على الصلب والألمنيوم والنحاس، بالإضافة إلى 25% على السيارات، وهي أرقام أكدتها تقييمات اقتصادية متعددة من بينها تقرير لـ«آر.إس.إم» يتوقع نمواً بنسبة 1.4% لكندا في 2026. وقال جيمس وايت، رئيس شركة ويلماستر المقرها في أونتاريو، إن مبيعات الشركة انخفضت بنسبة 20% منذ بدء التعريفات المتبادلة، علماً بأن 60% من ربحية الشركة كانت مرتبطة سابقاً بالسوق الأمريكية، مما حد من استثماراتها في الموظفين والمعدات. وأشار كرونيك إلى أن الغموض المتعلق بأكبر شريك تجاري لكندا يظل عقبة كبيرة، مضيفاً أن معرفة مستويات التعريفات النهائية ستسمح للشركات بالتكيف.
حذر الرئيس التنفيذي للبنك الملكي الكندي ديف ماكاي خلال فعالية لبلومبرغ هذا الشهر من أن رأس المال لا ينتظر، وأن تحقيق تقدم ملموس في الأفكار الكبيرة لكارني أمر ضروري وبسرعة للحفاظ على الاستثمارات. وقال متحدث باسم وزارة المالية إن الحكومة ردت بالتفاوض لتخفيف التعريفات القطاعية ومراجعة اتفاقية التجارة «يو.إس.إم.سي.إيه» مع تسريع مشاريع البنية التحتية وإبرام اتفاقيات جديدة مع أوروبا وآسيا. وأشار كرونيك إلى المزايا الأساسية لكندا، بما في ذلك سكان متعلمون جيداً ومجهزون تجهيزاً جيداً وغير مكتظين، قائلاً إن على صناع السياسات فقط أن يحرروا هذه الإمكانيات لتحقيق تحسن مستدام.

