رسم رئيس الوزراء مارك كارني رؤية طموحة لتعزيز العلاقات بين كندا والاتحاد الأوروبي خلال كلمة ألقاها أمام البرلمان الأوروبي، وفق النص الذي أصدره مكتب رئيس الوزراء. ورحب كارني باقتراح رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين بأن تصبح كندا أول عضو مشارك للاتحاد الأوروبي، وهو وضع لا يوجد حاليا، مؤكدا أن كندا لا تسعى للحصول على العضوية الكاملة ولا تستطيع ذلك. وألقي الخطاب بعد يوم واحد من الاقتراح الذي قدمته فون دير لايين، وصور التحالف المحتمل على أنه وسيلة لحماية السيادة والصمود أمام الضغوط الجيوسياسية، بما في ذلك التوترات التجارية مع الولايات المتحدة. وقال كارني إن غالبية ساحقة من الكنديين تدعم توثيق الروابط مع أوروبا بناء على بيانات استطلاعات الرأي التي استشهد بها مكتبه.
ودعا كارني إلى انضمام كندا إلى برنامج إيراسموس+ للتعليم والتدريب والشباب والرياضة، فضلا عن مبادرة بحوث هورايزون، وهو ما سيتيح توسيع الفرص أمام الطلاب والباحثين على جانبي المحيط الأطلسي. وقال كارني في الخطاب: «يجب أن نعمق روابطنا بين الشعوب، ليتسنى لشبابنا العيش والعمل والدراسة حيث يرغبون على أي من جانبي الأطلسي». ويستند الاقتراح إلى اتفاقيات التنقل الشبابي الثنائية القائمة التي تبرمها كندا مع 22 دولة من الدول الأعضاء الـ27 في الاتحاد الأوروبي، لكنه يهدف إلى إقامة إطار أوسع، بحسب تقارير من سي بي سي نيوز والأيريش تايمز. ومن المتوقع أن تتسارع المفاوضات بشأن نطاق هذه العلاقة في الأسابيع المقبلة استعدادا لقمة كندا-الاتحاد الأوروبي المقررة.
ويأتي هذا التحرك في وقت بلغت فيه الهجرة من كندا مستويات غير مسبوقة، إذ أظهرت بيانات هيئة الإحصاء الكندية أن 120640 مواطنا ومقيما دائما غادروا البلاد عام 2025، وهو أعلى رقم سنوي منذ بدء التسجيل عام 1952. وشكلت أونتاريو نحو نصف هذه المغادرين بواقع 56266 شخصا، بينما سجلت كولومبيا البريطانية أعلى معدل لكل فرد بواقع 442 مهاجرا لكل 100 ألف نسمة، حسب تقييم هيئة الإحصاء الكندية. ويشكل كثير ممن يغادرون بالغين في سن العمل الرئيسية بين 25 و49 عاما، وهي الفئة التي مثلت 53.9 في المائة من إجمالي الهجرة العام الماضي، وغالبا ما تضم متخصصين متعلمين تعليما عاليا في مجالات العلوم والمالية. وتسارعت هذه الظاهرة على مدى أربع سنوات متتالية، مما يفاقم ضغوط القدرة على تحمل التكاليف والاقتصاد التي تدفع إلى الرحيل.
وتحافظ كندا بالفعل على برامج تبادل العطلات الوظيفية والتنقل المتبادل مع العديد من الدول الأوروبية، تسمح للمشاركين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاما بالعيش والعمل في الخارج لمدة تصل إلى عامين، وفق أرقام وزارة الهجرة واللاجئين والمواطنة الكندية. وتراجع الطلب على مثل هذه التأشيرات من المتقدمين الأيرلنديين على سبيل المثال من مستويات تجاوزت 10 آلاف طلب سنويا بين 2015 و2023 إلى أقل من 4000 طلب العام الماضي، حسب مراجعة أجرتها الأيريش تايمز. وقد يلبي عرض كارني بتوسيع الوصول عبر ترتيب على مستوى الاتحاد الأوروبي الاهتمام الكندي المتزايد بالوجهات الأوروبية، رغم أن المسؤولين يصفون منح حقوق العيش والعمل الكاملة بدون تأشيرة بأنها موضوع للنقاش على المدى الطويل وليست نتيجة فورية. وحذر زعيم المحافظين بيير بويلييفر من أي اتفاق يفرض سياسات حدود مفتوحة على النمط الأوروبي، وهو موقف أبرزته تغطية صحيفة ذا ريسيبتس.
ويمتد التحالف المقترح إلى ما هو أبعد من التنقل ليشمل التجارة الرقمية السلسة في السلع والخدمات غير الزراعية، والتكامل الأعمق في المعادن الحيوية وتصنيع الدفاع والذكاء الاصطناعي وأمن الطاقة وأنظمة المدفوعات، كما أوضح كارني في خطابه. وأبرز تقرير لنيويورك تايمز كيف تستجيب الخطة لـ«عاصفة شرسة» من التحديات العالمية، بما في ذلك التعريفات الأمريكية والمحاولات لاستغلال الروابط الاقتصادية لتحقيق مكاسب سياسية. ويمكن أن تستفيد الشركات الأوروبية في قطاعات مثل الآلات والأدوية والفضاء من التعاون المعزز، إذ بلغت صادرات الاتحاد الأوروبي من السلع إلى كندا 48.9 مليار يورو في 2025، وفق إحصاءات مجلس الاتحاد الأوروبي. وشدد كارني على أن الشراكة لن تهدف إلى تشكيل كتلة منافسة بل ستكون «منارة للديمقراطيات الأخرى».
وتظل المناقشات حول مفهوم العضوية المشاركة في مراحلها المبكرة، مع إقرار الجانبين بأن تفاصيل جوهرية تتعلق بالتنفيذ والمساهمات المالية والتوافق التنظيمي لم تحسم بعد، حسب تحليل نشرته الغارديان. وتعهد كارني بإجراء مناقشات برلمانية وتصويت نهائي في مجلس العموم الكندي على أي اتفاق ناتج، مؤكدا أن العملية ستكون شفافة ومبنية على قيم مشتركة. وقوبل الخطاب بتصفيق قائم من البرلمان الأوروبي، ما يعكس اهتماما واسعا بتعزيز الروابط عبر الأطلسي في وقت تسعى فيه كندا إلى تنويع شراكاتها بعيدا عن جارتها الجنوبية.
EN