خضع النظام السياسي الإيراني لتحول جوهري بعد أن أسفرت الغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية عن مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي في أواخر فبراير 2026، وفقاً لتقرير صادر عن رويترز حول تقييمات الاستخبارات الأمريكية. وأدت وفاة الرجل البالغ 86 عاماً، برفقة عدة أفراد من عائلته، إلى القضاء على الكثير من الحرس القديم، وصعود جيل أصغر سناً على صلة وثيقة بالحرس الثوري الإسلامي. وتولى مجتبى خامنئي البالغ 56 عاماً دور المرشد الأعلى، بينما احتفظ الرئيس مسعود بزشكيان البالغ 71 عاماً بمنصبه، وهو انتقال وصفه تحليل لمعهد تشاتام هاوس بالخروج عن الحذر الذي ميز حكم والده على مدى 35 عاماً. وبز كل من رئيس مجلس النواب محمد باقر قاليباف وقائد الحرس الثوري أحمد وحيدي، وكلاهما في ستينيات العمر، كشخصيتين أساسيتين في الإعداد الجديد، بحسب التقييم نفسه.
أبرز استعراض لمؤسسة بروكينغز للنزاع في 2026 كيف أن القيادة الجديدة أبدت استعداداً أكبر للتصعيد العسكري من سابقتها، حيث استهدفت قواعد أمريكية في أنحاء المنطقة مباشرة بما فيها مرافق في البحرين وقطر والكويت. وشكل ذلك تحولاً عن الرد المحسوب الذي ظهر بعد الضربة الأمريكية عام 2020 التي أودت بحياة قاسم سليماني، عندما أعلنت إيران مسبقاً عن طبيعة ردودها المحدودة. وقتل ستة جنود أمريكيين في الكويت وأصيب المئات خلال الاشتباكات، فيما قدرت مجموعة الأزمات الدولية إجمالي القتلى الإيرانيين بأكثر من 3400 مع آلاف الجرحى في أرجاء المنطقة. وقال ولي نصر أستاذ في جامعة جونز هوبكنز لـ«بي بي سي نيوز» إن جيل ما بعد الثورة أدار الحرب والمفاوضات السلمية التي أعقبتها بحزم أكبر.
وجدت الدول العربية الخليجية نفسها في مرمى النيران، ما دفعها إلى إعادة النظر في علاقاتها الأمنية مع واشنطن، بحسب تقييم بروكينغز الذي صدر في يوليو 2026. وأطلقت إيران أكثر من ألفي صاروخ وطائرة مسيرة على منشآت في السعودية والإمارات العربية المتحدة ودول مجلس التعاون الأخرى، مما أدى إلى مقتل تسعة مدنيين على الأقل وتعطيل تصدير النفط والغاز عبر مضيق هرمز. وتراجعت حركة المرور في هذا الممر الحيوي بنسبة تجاوزت 90 في المائة أحياناً، ما رفع أسعار النفط العالمية من نحو 70 دولاراً للبرميل إلى متوسط 103 دولارات في مارس، كما أوردت نظرة عامة لموسوعة بريتانيكا على الحرب. وذكرت رويترز أن عدة دول خليجية باتت تستكشف المصالحة مع طهران منذ ذلك الحين، بما يشمل محادثات محتملة مع السعودية، غير أن محللين مثل علي فايز من مجموعة الأزمات الدولية حذروا بأن الترتيبات الأمنية مع الولايات المتحدة لا تزال ضرورية لهم.
وفي الشأن الداخلي، أظهرت القيادة الجديدة بوادر تخفيف بعض القيود الاجتماعية لاستعادة ثقة الشعب بالدولة، على حد قول محللة تشاتام هاوس أنيسه بصيري تبريزي المقيمة في أبوظبي لـ«بي بي سي نيوز». لم يعد الحجاب مفروضاً بشكل صارم خارج المؤسسات الرسمية، وأصبح الخمر متوافراً بهدوء في بعض مطاعم طهران، وهي خطوات نسبتها نصر إلى قرارات واقعية مدفوعة بحاجة إعادة بناء الشرعية عقب الاحتجاجات في يناير 2026 والقمع الذي أعقبها. ولاحظت سنام وكيل مديرة برنامج الشرق الأوسط في تشاتام هاوس أن إزاحة الخامنئي البالغ 86 عاماً، الذي كان يمثل الكابح الرئيسي للتطور النظامي، سمحت بهذا التغيير الجيلي. غير أن النظام يحافظ على تركيز شديد على السيطرة على المعارضة، بحسب المحللة ذاتها.
وفتح وقف إطلاق النار الهش الموقع الشهر الماضي في قصر فرساي باستضافة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الباب أمام تخفيف محتمل للعقوبات وخطة إعادة إعمار بقيمة 300 مليار دولار، على ما أفاد مراسل دبلوماسي في بي بي سي. وقد حصلت إيران بالفعل على إعفاءات أمريكية لمدة 60 يوماً تتيح تصدير النفط الخام، ما يمنح إيرادات يومية إضافية بنحو 25 مليون دولار في مارس وحده كما جاء في تجميع لبريتانيكا حول اقتصاديات الحرب. وتتعلق مذكرة التفاهم بإطلاق الأصول الإيرانية المجمدة ورفع كل العقوبات الدولية في النهاية مقابل تنازلات في الملف النووي، رغم استمرار الخلافات حول برنامج طهران ومضيق هرمز. وأوردت رويترز أن مسؤولين أمريكيين لا يزالون متشككين في أن هذه التغييرات ستؤدي إلى تحول كامل في النظام.
وما زال من غير الواضح ما إذا كان هذا المنعطف سيفضي إلى عقد اجتماعي جديد، إذ حذرت نظرة عامة لمجموعة الأزمات من استمرار هيمنة الحرس الثوري وسط الحزن العام على ضحايا الاحتجاجات والحرب. ووصف نصر ذلك بأنه «لحظة الصين بعد ماو» حيث يدرك النظام أن ثمة ما يجب تغييره، بيد أن المتشددين يحتفظون بالقدرة على القمع. أما فايز فوصف البيئة الراهنة بأنها «لحظة بلاستيكية» حبلى بإمكانيات لعلاقات إقليمية معدلة، رغم أن انعدام الثقة المتراكم على مدى عقود قد يعيق التقدم. وأظهرت هذه المجموعة الجديدة قدرتها على الدفاع عن السيادة إلا أنها تواجه تساؤلات حول قدرتها على تحقيق الرخاء، وفقاً لتقييمات متعددة من مراكز أبحاث منها مجلس الأطلسي.
EN