لم يعد العائق أمام تبني الذكاء الاصطناعي القانوني في الخليج يكمن فيما إذا كانت التقنية تعمل أم لا، بل فيما إذا كانت المهنة قادرة على الثقة به مع أكثر موادها حساسية.
توضح الأرقام هذه النقطة. فحوالي 42% من المكاتب في دول مجلس التعاون الخليجي تستثمر الآن في الذكاء الاصطناعي لتحسين معالجة البيانات، وفي السوق الأوسع تظل خصوصية البيانات والأمان أبرز العوائق أمام التبني، حيث يسمي حوالي أربعة من كل عشرة مكاتب كلاً منهما مصدر قلق أساسي. ويرتفع تبني التقنيات القانونية في المنطقة بنسبة نحو 15% سنوياً، لكن هذا الإقبال يصطدم بقيد شديد: إذ لا يستطيع المحامي الذي يتعامل مع بيانات عملاء محمية نشر أداة لا يستطيع التكفل بها. وفي سوق ينمو بهذه السرعة أصبحت الثقة مورداً نادراً، والمنصات القادرة على إثباتها تحظى بميزة تتضاعف.
سيادة البيانات أصبحت قضية دولة
ما يبرز أهمية هذا السؤال في الخليج أن حوكمة البيانات هنا ليست متروكة للبائعين، بل هي سياسة وطنية.
فقد بنت المملكة العربية السعودية نهجها حول الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي، معتبرة السيطرة السيادية على البيانات أمراً مركزياً. أما الإمارات فتحكم الذكاء الاصطناعي من خلال نظام حماية البيانات، وفي مركز دبي المالي العالمي من خلال تنظيم خاص يغطي كيفية معالجة الأنظمة الذاتية وشبه الذاتية للبيانات الشخصية. وقد تختلف التفاصيل بين الولايات القضائية لكن الاتجاه مشترك: أين توجد البيانات القانونية وكيف تحمى ومن يستطيع الوصول إليها، كلها قضايا أولية مترسخة في الاستراتيجية الوطنية وليست أموراً ثانوية.
لهذا الخلفية يغير كل قرار شراء لدى مكتب محاماة في الرياض أو مدينة الكويت أو دبي. فالمنصة التي تعالج بيانات قانونية حساسة خارج المنطقة أو التي لا تستطيع إثبات تلبيتها لمتطلبات حماية البيانات المحلية لا تفشل فقط في الجانب الأمني، بل تفشل على المستويين التنظيمي والمهني قبل أن ينظر أحد في ميزاتها.
وضعية الثقة التي تجتاز الحاجز
هذه هي البيئة التي صُممت من أجلها منصة «عقود إيه آي»، أول منصة قانونية تعمل بالذكاء الاصطناعي وباللغة العربية في الخليج. وبعيداً عن تصميمها للغة العربية وأنظمة القانون المدني في المنطقة، بنيت المنصة حول متطلبات الثقة التي يفرضها السوق حالياً.
تحمل «عقود» شهادتي آيزو وسيو سي 2، وتحافظ على متطلبات تنظيم البيانات عبر المنطقة من خلال بنية مرنة مصممة للتكيف مع قواعد كل ولاية قضائية بدلاً من فرض معيار أجنبي واحد. وليست هذه الشهادات زينة شكلية. ففي محادثة شراء يكون فيها المستشار العام مسؤولاً شخصياً عن كيفية التعامل مع البيانات المحمية، تمثل الشهادة الأمنية المعترف بها دولياً الفرق بين أداة تجتاز التدقيق الواجب وأخرى تتعثر فيه. أما البنية الواعية بمتطلبات المنطقة فترد مباشرة على تساؤل السيادة، إذ تحافظ على معالجة البيانات بما يتوافق مع المكان الذي تعمل فيه المكتب فعلياً.
تشكل الشهادتان والبنية المرنة معاً وضعية ثقة، وفي السوق الحالي لم تعد هذه الوضعية مجرد ميزة، بل أصبحت ثمن الدخول وحاجزاً يجد الوافدون المتأخرون صعوبة متزايدة في تجاوزه.
مكانة التأييد المؤسسي
تجيب الشهادات على سؤال الأمان، وتجيب البنية الواعية بالسيادة على سؤال البيانات. لكن يبقى سؤال ثالث لا يستطيع أي مورد الإجابة عنه بنفسه: هل تعتبر المهنة الأداة مناسبة لطريقة ممارسة القانون فعلياً في المنطقة؟ وهنا تبرز أهمية المكانة المؤسسية.
ضمن هذا السياق تكتسب الشراكة الاستراتيجية بين «عقود» ونقابة المحامين الكويتية وزنها الكبير. فالهيئة المهنية التي تضع معايير ممارسة القانون في الولاية القضائية تملك سمعتها الخاصة وليس لديها مصلحة تجارية تدفعها إلى إعارة اسمها بسهولة، مما يجعل مشاركتها إشارة مختلفة تماماً عن أي مصادقة تجارية.
«ليست هذه أداة أجنبية تباع في المنطقة»، يقول خالد الراشد، مؤسس «عقود» ورئيسها التنفيذي. «بل هي بنية تحتية شُيّدت مع المؤسسة التي تحدد معايير ممارسة المهنة القانونية في الكويت. ولا يمكن شراء مثل هذا النوع من المصادقة بميزانية مبيعات».
وفي قطاع يشكل فيه الثقة القيد الأبرز، يجيب التوافق مع المؤسسة التي تضع المعايير المهنية على السؤال الذي لا تستطيع الشهادات الإجابة عنه: ليس ما إذا كانت الأداة آمنة، بل ما إذا كانت المهنة قادرة على الاعتماد عليها.
لقد ارتفع الحاجز
الاتجاه واضح. فمع استمرار تشديد قواعد سيادة البيانات في الخليج وتأطير الهيئات المهنية لتوقعاتها من الذكاء الاصطناعي، ستكون المنصات الناجحة هي التي تستطيع إثبات الثقة على كل المحاور في آن واحد: الأمان المعتمد، والبنية الواعية بالسيادة، والمكانة لدى مؤسسات المهنة.
يشكل هذا الجمع حاجزاً أعلى بكثير مما صُممت له أولى أدوات الذكاء الاصطناعي القانوني، وكل عنصر من عناصره يعزز الآخر: الشهادات تفتح أبواب الشراء، والبنية الواعية بالسيادة ترضي الجهات التنظيمية، والتأييد المؤسسي يجيب على سؤال الثقة الذي لا يستطيع أي مورد الإجابة عنه بمفرده. ومعاً تصف هذه العناصر ليس أداة تجتاز التدقيق الواجب فحسب، بل موقعاً في السوق يصعب الوصول إليه من الخارج. وفي الخليج أصبح هذا المتطلب الأساسي للدخول، والميزة للمنصة التي تصل إليه أولاً.
EN