أعلنت «جبهة إعادة تأسيس الأمة» عن تشكيلها خلال مؤتمر صحفي عقد في منزل الرئيس السابق كابيلا بمدينة غوما الخاضعة لسيطرة «إم 23»، حيث وقع الرئيس السابق على وثائق التأسيس إلى جانب قادة آخرين كما أظهرت لقطات الفيديو من الحدث. وفصل مستشار التحالف كلود إيبالانكي الهيكل التنظيمي للجبهة، مشيرا إلى أن سلطاني ماكينغا القائد العسكري لـ«إم 23» سيشغل منصب أحد أربعة نواب، فيما تعهدت الجماعة بوضع حد لما وصفته بالاستبداد عبر مقاومة منسقة قد تشمل استخدام القوة.
واعتبرت رويترز في تقرير لها من غوما بتاريخ 12 أكتوبر أن إطلاق الجبهة يمثل أوضح إشارة حتى الآن على الدور المباشر الذي يلعبه كابيلا في التمرد، بعد أشهر من اتهامات الحكومة له بتقديم الدعم للمتمردين. وأوضح تقرير صادر عن مجموعة الأزمات الدولية بعد يومين من ذلك أن هذا التحول يحل محل «تحالف نهر الكونغو» كوسيلة سياسية لأنشطة «إم 23» في المقاطعات الشرقية.
وبدأ جوزيف كابيلا مسيرته العامة قائدا في التحالف المتمرد الذي أوصل والده لوران كابيلا إلى السلطة عام 1997، قبل أن يخلفه في رئاسة جمهورية الكونغو الديمقراطية في سن التاسعة والعشرين عقب اغتيال والده عام 2001. وحكم البلاد 18 عاما قبل أن يسلم السلطة لفيليكس تشيسكيدي عام 2019 في عملية اعتبرها كثير من المراقبين معيبة بعد تسريب نتائج أشارت إلى فوز المعارض مارتن فايولو. وتابع تقرير نشرته «بي بي سي» في 31 أكتوبر بعنوان «بالبدلة والحذاء: كيف تحول جوزيف كابيلا من رئيس إلى زعيم متمرد» عودة الرئيس السابق إلى المعارضة المسلحة ضد خليفته الذي سبق أن شكل معه حكومة ائتلافية. وقد عاد كابيلا إلى البلاد عام 2025، وشوهد في غوما الخاضعة لسيطرة المتمردين قبل أن تحكم عليه محكمة عسكرية بالإعدام غيابيا في سبتمبر من ذلك العام بتهمة الخيانة وتمويل العنف شرق البلاد، وهو ما نفاه الرئيس السابق آنذاك.
وسيطر مقاتلو «إم 23» على مدينتي غوما وبوكافو الشرقيتين خلال هجوم شنوه العام الماضي، مما مكنهم من السيطرة على مناطق واسعة غنية بالمعادن، فيما تتواصل الاشتباكات حول القرى والتلال ومناطق التعدين بحسب تقييمات مجموعة الأزمات الدولية. وتعود جذور هذا النزاع إلى عقود من المنافسات الإقليمية ومخاوف الأمن العالقة والتنافس على الموارد، مما أدى إلى نزوح الملايين وجذب قوات من دول مجاورة بينها قوات بوروندية تقاتل إلى جانب الوحدات الحكومية. ونقلت «الجزيرة» في تقرير من غوما بتاريخ 18 أكتوبر أن السكان المحليين أعربوا عن دهشتهم وخشيتهم المتجددة من انخراط الرئيس السابق في الصراع، معتبرين ذلك مؤشرا على أن الحرب قد تستمر إلى أجل غير مسمى. واتهمت الأمم المتحدة وعدة حكومات غربية رواندا بتقديم الجنود والدعم القيادي لـ«إم 23»، وهو اتهام تنفيه كيغالي بشكل متواصل مشيرة إلى حاجتها الأمنية على الحدود.
ودافع كابيلا في مقابلة نشرتها «كونسبيراسي تراكر غريت ليكس» نهاية أكتوبر عن تشكيل «جبهة إعادة تأسيس الأمة» بوصفه ردا ضروريا على تضييق المساحة الديمقراطية ورفض الحكومة خوض حوار حقيقي. وقال: «عندما تغلقون المجال السياسي وتقررون أن الحل الوحيد وفق كينشاسا هو القتال حتى آخر رجل، فما هي الخيارات الأخرى التي تتركونها للشعب الكونغولي؟»، مضيفا أن على الكونغوليين إما قبول السيطرة أو حمل السلاح لمواجهتها. وأكد الرئيس السابق أن التحالف يسعى إلى حكم شامل يعيد بناء مؤسسات الدولة، وليس إلى تقسيم البلاد أو خدمة مصالح خارجية. وأشار إلى أن أنماط المقاومة في تاريخ الكونغو منذ ستينيات القرن الماضي تظهر أن مثل هذه الحركات غالبا ما تنشأ كرد فعل على القمع السياسي.
وفرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على كابيلا في أبريل 2026 اتهمته فيها بدعم «إم 23» وتشجيع الانشقاقات العسكرية ومحاولة تنسيق هجمات على مواقع حكومية، بينما استهدفت إجراءات لاحقة في الشهر نفسه وزارة الدفاع الرواندية بسبب التورط المزعوم لقواتها. وكتب المحلل في مجموعة الأزمات الدولية ريتشارد مونكريف في 14 أكتوبر أن قيادة كابيلا تمنح المتمردين مكانة سياسية أكبر، لكن معظم الكونغوليين ما زالوا ينظرون إلى الحركة على أنها مشروع مدعوم من الخارج، مما يقوض شرعيتها الوطنية. واقترح تعليق رأي نشر في «بيزنس داي» بتاريخ 28 أكتوبر أن التحالف قد يشجع على انشقاقات في صفوف الجيش النظامي الذي يحتفظ فيه كابيلا بشعبية لا تزال قوية. ويُعقد هذا التطور المبادرات السلمية الجارية، بما في ذلك المحادثات السابقة في الدوحة التي أعلنت الجبهة نيتها احترامها من حيث المبدأ.
ويضع تولي قيادة «جبهة إعادة تأسيس الأمة» كابيلا على رأس هيكل يضم نوابا من بينهم رئيس اللجنة الانتخابية السابق كورنيي نانغا، والشخصيتان السياسيتان في «إم 23» برتران بيسيموا وفريدي كانيكي، إضافة إلى ماكينغا الذي يحتفظ بقيادة الجناح العسكري. وأعلن البيان التأسيسي حل الإطار السابق المعروف بـ«تحالف نهر الكونغو»، ووضع الكيان الجديد كقوة مقاومة منسقة أوسع، وفق ما نقلته «فرانس 24» ووسائل إعلام إقليمية أخرى. وكان كابيلا قد ألقى كلمة عامة قبل أيام قليلة من الإعلان حدد فيها الخطوات التي يرى أن على الكونغوليين اتخاذها لإنقاذ البلاد من سوء الإدارة والفساد. ورد المتحدث الحكومي باتريك مويايا باتهام الرئيس السابق بالتحضير لهجوم شامل على البلاد والسلطات، ثم علقت الجهات المختصة حزب «بي بي آر دي» التابع لكابيلا وعددا من المجموعات الحليفة. ويتابع المحللون ما إذا كان هذا التحرك سيؤدي إلى مكاسب ميدانية أوسع أم سيساهم فقط في إطالة أمد الجمود الذي يسيطر على المقاطعات الشرقية.
EN