تراكم طلبيات يبلغ 17 ألف طائرة، وأقدم أسطول مسجل على الإطلاق، وفاتورة إصلاح تصل إلى 136 مليار دولار: أنتجت أزمة التسليم في قطاع الطيران فائزاً، وهذا الفائز لا يصنع الطائرات، بل يصلح محركاتها.
كانت إيرباص تريد إنتاج 75 طائرة من طراز A320 شهرياً بحلول 2027، إلا أنها أنتجت 54 طائرة فقط بنهاية 2025. أما بوينغ فاستهدفت 57 طائرة 737 شهرياً هذا العام، بينما سمحت الجهات التنظيمية بـ42 طائرة فقط. ويتجاوز تراكم الطلبيات غير المنفذة حالياً 17 ألف طائرة، أي ما يعادل نحو 14 عاماً من الإنتاج بالمعدلات الحالية، فيما بلغ متوسط عمر الطائرة التجارية 13.4 سنة مقابل 12.1 سنة قبل عام واحد. والخطوط الجوية التي تنتظر طائرات لن تصل إليها لا تجد أمامها سوى خيار واحد: تشغيل الطائرات القديمة بكثافة أكبر.
لهذا القرار ثمنه. فقد بلغ الإنفاق العالمي على أعمال الصيانة والإصلاح والعمرة 136 مليار دولار في 2025، بارتفاع نسبته 8 بالمئة خلال عام واحد، ويتوقع أوليفر وايمان أن يقترب من 193 مليار دولار بحلول 2030، أي نحو ضعف مستويات ما قبل الجائحة. وكشف استطلاع الشركة الاستشارية في أبريل أن نقص الأجزاء والعمالة لا يزالان أبرز معوقين للقطاع، فيما حلت التعريفات الجمركية والتوترات الجيوسياسية في المرتبة الثانية، مع تقدير بنقص سنوي يتراوح بين 12 ألفاً و18 ألف فني صيانة. تحظى الطائرات الجديدة بالعناوين الرئيسية، لكن الأموال تتدفق إلى الجهة التي تحافظ على صلاحية الطائرات الحالية للطيران.
عام بـ6 مليارات دولار
لا توجد شركة تجسد هذا التحول أفضل من ستاندارد إيرو. المجموعة التي تتخذ من سكوتسديل بولاية أريزونا مقراً لها، والمؤسسة عام 1911 والمدرجة في بورصة نيويورك ويبلغ عدد موظفيها نحو 8 آلاف، لا تقوم إلا بعمل واحد: أعمال ما بعد البيع المتعلقة بالمحركات، بدءاً من العمرة الكاملة مروراً بإصلاح المكونات ووصولاً إلى الدعم الميداني، وذلك في مجالات الطيران التجاري والعسكري وطيران الأعمال. وقد رفعت الشركة في 2025 إيراداتها بنسبة 16 بالمئة لتبلغ 6.06 مليار دولار وزادت ربحيتها المعدلة قبل الفوائد والضرائب والإهلاك بنسبة 17 بالمئة لتصل إلى 808 ملايين دولار، وهو عام وصفته الإدارة بالقياسي. وقفزت إيرادات الربع الثالث وحدها بنسبة 20.4 بالمئة، مع نمو مزدوج الرقم في الأسواق الثلاثة كافة، ورفعت الشركة في مايو توقعات إيرادات 2026 إلى 6.45 مليار دولار كحد أقصى، مؤكدة للمستثمرين أن الطلب التجاري لا يظهر أي مؤشرات على التراجع.
كلا طرفي دورة المحرك
يمتد دفتر الطلبيات ليشمل جيلين من المحركات في آن واحد. ففي الجانب القديم، يقدر سافران، المالك المشارك لمصنع المحركات سي إف إم إنترناشونال، أن زيارات ورش صيانة محرك سي إف إم 56 ستبلغ ذروتها في 2025 عند نحو 2300 زيارة، مشيراً إلى أن نحو 40 بالمئة من بين 23 ألف محرك من طرازي سي إف إم 56-5بي و-7بي المستخدمة حالياً لم تخضع مطلقاً لعمرة ثقيلة. والطائرات المقرر إحالها إلى التقاعد باتت تنتظر الدخول إلى الورش بدلاً من ذلك، وتجري ستاندارد إيرو عمرة هذا الطراز منذ 2009.
أما في الجانب الحديث، فقد تحركت الشركة باكراً. إذ وقعت في مارس 2023 أول اتفاقية خدمة غير تابعة لخطوط جوية تحمل علامة سي إف إم في الأمريكتين لمحرك ليب، مما جعلها أول مزود مستقل لخدمات الصيانة والإصلاح والعمرة المعتمدة لمحرك ليب في المنطقة. وأكملت منذ ذلك الحين أول عملية استعادة أداء كاملة لمحرك ليب على محرك تابع لإيروكاب، وأنتجت صناعياً أكثر من 475 عملية إصلاح لمكونات ليب، ووقعت اتفاق دعم لمحرك ليب مدته 15 عاماً مع إحدى كبريات شركات الطيران في الشرق الأوسط، وأضافت خلال الأسبوعين الماضيين كلاً من صن إكسبريس وأراجيت إلى قائمة عملائها.
1000 محرك للقوات الجوية
تحت دورة الطيران التجاري تقع أعمال الدفاع التي لا تحظى بالاهتمام الإعلامي عادة لكنها ترسخ النموذج. فقد سلمت الشركة في نوفمبر المحرك جي85 رقم 1000 إلى القوات الجوية الأمريكية، وهو المحرك الذي يدفع طائرة التدريب تي-38 التي يتدرب عليها كل طيار مقاتل أمريكي، وذلك بعد خمس سنوات من عقد متعدد السنوات. كما تحصل على عقود صيانة محرك تي56 لأساطيل البحرية الأمريكية التي تضم طائرات سي-130 وإي-2 وبي-3، وتدعم محركات إف110 لدى المشغلين الدوليين لطائرتي إف-15 وإف-16.
التكاليف تقطع الطريق في الاتجاهين
ليس الازدهار مالاً سهلاً. فالندرة ذاتها التي تضخم دفتر طلبيات ستاندارد إيرو تضخم مدخلاتها أيضاً، وتكلفة بناء القدرات الجديدة تقلل الهامش قبل أن تحققه. وقد انخفضت هوامش أعمال خدمات المحركات 140 نقطة أساس في الربع الأول من 2026 مع صعود خط إنتاج ليب وورشة سي إف إم 56 الجديدة في دالاس على منحنى التعلم، ودفع إغلاق الحكومة الأمريكية إيرادات القطاع العسكري خارج الربع الرابع إلى الأول، وأدى حريق إلى إغلاق مصنع المكونات في فينيكس لعدة أسابيع. وتتوقع الإدارة أن يتحول البرنامجان الجديدان إلى الربحية في النصف الأول من 2026، وتعمل على استبعاد ما بين 300 و400 مليون دولار من الإيرادات ذات الهامش المنخفض جداً من الحسابات هذا العام. تدفع الدورة العظمى، لكنها تتطلب جهداً لكسبها.
لن تنعكس أي من القوى المحركة لهذا الواقع في المستقبل القريب. فسوف تقضي بوينغ وإيرباص سنوات في تصفية التراكم، وسيستمر تقادم الأساطيل خلال ذلك، وكل سنة إضافية في الجو تعني زيارة إضافية للورشة. لطالما رويت قصة النقص في قطاع الطيران على أنها قصة الطائرات غير الموجودة. أما القصة الأكثر استدامة فهي شركة بقيمة 6 مليارات دولار قامت على الطائرات الموجودة بالفعل.
EN