وصل رانجي سمايل، الذي ينحدر من كراتشي في ما كان يُعرف آنذاك بالهند الاستعمارية، إلى نيويورك عام 1899 بعد أن عمل طاهيًا للكاري في فندقي السافوي وسيسيل بلندن، بحسب المؤرخ دينيار باتيل في تقرير «بي بي سي نيوز». وتولى الإشراف على المطبخ في مطعم شيريز الراقي بالجادة الخامسة، حيث أصبحت كاري الدجاج مدراس وغيرها من أطباقه مشهورة على الفور بين نخبة المدينة، كما كتب باتيل. ولقبت الصحف الرجل بـ«ملك الكاري» و«أول طاهٍ هندي في أمريكا»، وأضفت شخصيته المتفجرة وادعاؤه بأنه أمير على جاذبيته، بحسب مقال نشره مايوخ سين في «فوكس» عام 2021. وقدم سمايل عروضًا للطبخ في أنحاء البلاد وعلم ربات البيوت الأمريكيات إعداد الوجبات الهندية، مما جعل الكاري جزءًا من الحديث اليومي في البلاد.
ويمثل افتتاح مطعم «عمر الخيام» في 325 بالجادة الخامسة أواخر عام 1901 حدثًا بارزًا، إذ يُعتقد أنه أول مطعم هندي متخصص في الولايات المتحدة، كما أفاد باتيل. وكان المطعم يقع قرب فندق والدورف أستوريا الأصلي، ويتميز بديكور هندي وأطباق أصيلة، لكنه أغلق أبوابه خلال عام واحد بعد أن سئم الزبائن من المطبخ على ما يبدو، ووصفته صحيفة «نيويورك صن» بأنه موضة عابرة. وشملت جهود سمايل اللاحقة للحفاظ على شهرته تبني شخصية «الأمير رانجيت من بلوخستان» خلال عودته من لندن، حيث كان قد استقطب موظفين، وفق رواية سين في «فوكس». وسرعان ما واجه مشكلات قانونية، منها اتهامات بأنه أغرى مواطنين بالقدوم إلى الولايات المتحدة تحت ذرائع كاذبة، مما ساهم في تدهور أحواله.
وشملت سنوات سمايل الأخيرة سلسلة من التحولات التي اتجهت نحو الخداع، منها زيجات متعددة من نساء أمريكيات أصغر سنًا ومخططات مختلفة أدت إلى اتهامات جنائية، كما تفصل تحقيق «فوكس». وبحلول العشرينيات من القرن الماضي، قلّت الإشارات إليه في الصحافة، وغادر الولايات المتحدة عام 1929 على متن سفينة متجهة إلى بومباي، بحسب سجلات الركاب المذكورة في عدة مراجعات تاريخية منها أبحاث سارة لوهمان. وأشارت صحيفة «بروكلين ديلي إيغل» عام 1937 إلى أن زوجته حينها كانت تسعى لإبطال الزواج، في واحدة من آخر الآثار لوجوده في السجلات الأمريكية. وأدى اختفاؤه إلى قيام المؤرخين بجمع تراثه الغامض من مقالات صحفية متفرقة ووثائق الهجرة.
وكان الكاري نفسه قد ظهر في كتب الطبخ الأمريكية قبل وصول سمايل بزمن طويل، إذ تضمن كتاب «ربة المنزل الفيرجينية» لماري راندولف عام 1824 وصفات لكاري الدجاج على الطريقة الهندية الشرقية، كما لاحظت المؤرخة الطبخية كولين تايلور سين في كتاباتها حول الموضوع. وساهمت الروابط الاستعمارية البريطانية في تبادل هذه الأطباق، إذ أصبح مسحوق الكاري عنصرًا أساسيًا في المطابخ الأمريكية من خلال كتب الوصفات الإنجليزية والتجارة من موانئ مثل «رصيف الهند» في بوسطن في أوائل القرن التاسع عشر، كما أظهرت أبحاث سين. غير أن عروض سمايل ومطعمه ساعدا في تغيير التصورات نحو تحضيرات أكثر أصالة بعيدًا عن النسخ البريطانية الهندية المبسطة، ممهدين الطريق للمهاجرين المستقبليين، بحسب باتيل. ونشر الصحفي سانت نيهال سينغ عام 1909 وصفات للباجي والپوري وأطباق هندية أخرى في «شيكاغو ديلي تريبيون»، بناء على ذلك الأساس.
وقد وصف مؤرخون منهم لوهمان، مؤلفة كتاب «ثماني نكهات: القصة غير المروية للمطبخ الأمريكي»، وسين، رانجي سمايل بأنه أول طاهٍ مشهور في أمريكا لمهارته الإعلامية وقدرته على جذب الجمهور بالطعام والشخصية معًا. وجاءت قصته في خلفية قوانين الهجرة الأمريكية الصارمة التي منعت جنوب آسيويين من الحصول على الجنسية حتى الإصلاحات اللاحقة، حيث استهدفهم قانون الهجرة لعام 1917 صراحة، كما أشارت لوهمان في مقابلات. ورفضت السلطات طلب سمايل للتجنس عام 1904 لهذا السبب، مما زاد من التحديات التي واجهها. وتشير الاكتشافات الحديثة إلى أنه ربما أدار مطعمًا هنديًا آخر يدعى «الهندوستان» في شيكاغو حوالي عام 1920، مما مد نفوذه خارج نيويورك.
وتسارعت شعبية المطبخ الهندي بعد قانون الهجرة والتجنس لعام 1965 الذي خفف الحصص، مما أدى إلى انتشار المطاعم التي تقدم أطباقًا مثل الدجاج بالزبدة التي بنت على المقدمات الأولى، بحسب تحليلات القطاع. ويعد الطعام الهندي اليوم من أكثر المطابخ بحثًا في الولايات المتحدة، مع بيانات غوغل التي تعكس الاهتمام المستمر الذي يعود إلى رواد مثل سمايل. وساعدت جهوده، رغم ما شابها من الجدل، في وضع الأساس لما أصبح قطاعًا هامًا في المشهد الغذائي الأمريكي، كما ختم باتيل في تقرير «بي بي سي». وتواصل الروايات الطبخية إعادة النظر في إسهاماته مع قيام الباحثين باكتشاف المزيد من التفاصيل من الأرشيفات.
EN