سار موكب الجنازة الذي يحمل توابيت آية الله علي خامنئي وأربعة من أقاربه بينهم حفيدته البالغة 14 شهراً في طريق طوله 10 كيلومترات عبر طهران هذا الأسبوع، وأبطأته حشود هائلة من المعزين في واحدة من أكبر التجمعات العامة خلال سنوات، وفقاً لتقارير «بي بي سي نيوز» من العاصمة الإيرانية. أظهرت الصور الجوية الشوارع الرئيسية مكتظة بالموالين الذين ارتدوا السواد ورددوا شعارات «الموت لأميركا» و«الموت لإسرائيل» المعتادة، بينما لوح كثيرون برايات حمراء ترمز إلى الشهادة وحملوا لافتات باللغة الإنجليزية تستهدف الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وحث تطبيق مراسلة مدعوم من الحكومة المؤيدين على تبني عبارات مثل «انتقامنا آت لا محالة» و«سيدفعون الثمن غالياً» كجزء من المشهد السياسي الذي صاغه المسؤولون الإيرانيون حول المقاومة والانتقام.
دفع الرئيس مسعود بزشكيان برد على وصف ترامب للدموع بأنها «مزيفة» قائلاً إن الدموع تنبع من الألم والحزن الذي يعتمل في داخل الإنسان، وإن العالم يرى هذه الحقيقة، في تصريحات نقلتها الوسائل الحكومية. وتوجه أحد المشاركين ذي الشعر الرمادي يدعى مجتبى إلى الصحفيين الأجانب معلناً «قريباً جداً سترون علامات الانتقام فوق البيت الأبيض، وقريباً سيكون لون البيت الأبيض لون رايتي الأحمر». وأقر مسؤول حكومي لـ«بي بي سي» بأن بعض الدعوات طقوسية، لكن الغضب حقيقي لدى المتشددين الذين يعارضون أي تسوية جديدة مع الولايات المتحدة التي يلومونها على مقتل الزعيم.
وتدهور الاقتصاد الإيراني بشكل حاد في الخلفية، إذ يتوقع صندوق النقد الدولي ارتفاع أسعار المستهلكين بنسبة 42.4 بالمئة في 2025 وأن تبقى فوق 40 بالمئة حتى 2026، بينما توقع البنك الدولي انكماشاً اقتصادياً في العامين مع تضخم يتجه نحو 60 بالمئة. وتجاوز تضخم أسعار الغذاء 70 بالمئة في 2025 وفق بحوث برلمانية ومركز الإحصاء الإيراني، مما ساهم في إغلاقات واسعة للمتاجر واحتجاجات امتدت إلى جميع المحافظات الـ31 بدءاً من ديسمبر 2025. وأرجع كثير من الإيرانيين عدم مشاركتهم في فعاليات الحداد إلى هذه الضغوط إلى جانب آلام حربين حديثتين، إذ قال رجل للصحفيين خارج محطة راحة إن «كثيراً من الناس ليس لديهم عمل وهم تعساء جداً».
وتنتقل الفعاليات الثلاثاء إلى مدينة قم المقدسة جنوب طهران قبل أن تتوجه إلى النجف وكربلاء في العراق، على أن يتم الدفن النهائي الخميس في ضريح الإمام الرضا بمشهد، مسقط رأس خامنئي. وسعت الإجراءات إلى تصوير الزعيم الأعلى الراحل كشخصية دينية وسياسية متعالية تمتد سلطتها عبر العالم الشيعي، كما لاحظ الباحث في جامعة طهران محمد إسلامي. وفي المقابل، قيّم الباحث في مؤسسة كارنيغي كريم سجادبور أن «الثورة التي حافظ عليها كانت لعالم لم يعد موجوداً».
ودخلت إيران عصراً جديداً تحت قيادة زعيمها الأعلى الثالث، مجتبى خامنئي البالغ 56 عاماً، الذي عُيّن عقب الضربات التي قتلت والده وأصابته بجروح، وفق ما جاء في تقارير «بريتانيكا» و«فرانس 24». وحافظ الخامنئي الابن على حضور عام منخفض منذ أحداث فبراير، إذ يستشهد المسؤولون بالتهديدات الإسرائيلية المستمرة على سلامته، وظهر إخوانه الثلاثة في مراسم العرض بدلاً منه. وتسجل تقارير «بريتانيكا» أن مجتبى خامنئي بنى نفوذاً خلف الكواليس في مكتب الزعيم الأعلى بعلاقات مع الحرس الثوري وسمعة مرتبطة بقمع الانتخابات السابقة، رغم أنه يفتقر إلى الرتبة الدينية المتوقعة تقليدياً لهذا المنصب.
وتذكر الأحداث بالجنازة الفوضوية لآية الله روح الله الخميني عام 1989 التي اجتذبت نحو 10 ملايين معزٍ أو سدس سكان إيران آنذاك، وانتهت بتدافع مميت حطم النعش وأسقط الجثمان في الحشد، كما أفادت «أسوشيتد برس». واعترفت موسوعة غينيس للأرقام القياسية بتلك المشاركة كأكبر نسبة من السكان تشارك في جنازة على الإطلاق، مع سقوط ثمانية قتلى على الأقل وآلاف الجرحى في الزحام. ونشر المخططون الإيرانيون إجراءات أمنية غير مسبوقة لمراسم خامنئي لتجنب تكرار ذلك الاضطراب أو التدافع المميت عام 2020 في جنازة الجنرال قاسم سليماني، وفق ما ذكرته «إيران إنترناشونال».
EN