كما أشار ستيف روزنبرغ في تحليله بـ«بي بي سي» تحت عنوان «روزنبرغ: انتخابات روسيا لن تحمل مفاجآت كثيرة لكنها مهمة للكرملين»، فإن التصويت المقبل على مجلس الدوما لن يسفر عن الكثير من الاضطرابات السياسية في نظام وصفه المراسل بأنه «ديمقراطية مدارة»، حيث يمسك الكرملين بالزمام ويتمتع الرئيس بسلطات واسعة النطاق. وسيفرز الاقتراع الذي يستمر ثلاثة أيام من 18 إلى 20 سبتمبر غرفة أخرى مليئة بنواب موالين لبوتين ومهيمن عليها حزب «روسيا الموحدة» الحاكم، بحسب تقرير روزنبرغ. وتمثل هذه الانتخابات البرلمانية الأولى منذ أن شنت روسيا غزوها الشامل لأوكرانيا عام 2022، وهي نقطة أكد روزنبرغ أنها في صلب اهتمام الكرملين بالعملية رغم توقع نتائجها. وخلص تقييم لشبكة «بلومبرغ نيوز» إلى نتيجة مشابهة مفادها أن «روسيا الموحدة» لا تواجه أي تهديد واقعي لأغلبيتها بعد 23 عاماً من السيطرة، في ظل حملة انتخابية تخضع لقيود صارمة تحول دون مشاركة أصوات معارضة حقيقية.
ويسعى الكرملين إلى تفسير النتائج بوصفها دليلاً على تأييد معظم الروس لبوتين والحملة العسكرية، كما نقل روزنبرغ، مع الترويج في الوقت ذاته لمسيرة المقاتلين السابقين في الخطوط الأمامية. وذكر مسؤولون روس أن نحو 200 من قدامى المحاربين في الحرب يتنافسون كمرشحين، وهو رقم أورده روزنبرغ ضمن الجهود الرامية إلى إدماجهم في البنية السياسية. ووفقاً لتقرير «نيويورك تايمز» من موسكو، فقد حولت السلطات هذا السباق إلى حدث أكثر رتابة من المعتاد، إذ حرمت الحزب الوحيد المعارض للحرب «يابلوكو» من المشاركة في الاقتراع، وجعلت الكثير من المرشحين يفتقرون إلى الحوافز لخوض حملات انتخابية حقيقية. وأوثق مراقب الانتخابات الروسي استبعاد 32 عضواً من أعضاء «يابلوكو» بموجب بنود أُدخلت عقب الغزو، إضافة إلى غرامات ومداهمات واعتقالات طالت عشرات آخرين من رموز الحزب.
وأكد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف مؤخراً على الطبيعة الخاصة للنظام الروسي، قائلاً «لدينا نظامنا السياسي الخاص وعمليتنا السياسية الخاصة»، في تصريحات نقلها روزنبرغ. ورأت مراجعة لمؤسسة «جامستاون» للحملة الانتخابية أن حزب «روسيا الموحدة» قد وصف نفسه لأول مرة منذ نحو عقدين صراحة بأنه «حزب بوتين»، مستخدماً ملصقات تعلن التأييد للرئيس كشرط أساسي. وأشارت تلك التحليلة ذاتها إلى ظهور انتقادات معزولة للكرملين حتى من أصوات موالية للنظام، والتي فسرتها المؤسسة على أنها تكتيك محتمل لتحديد جيوب من عدم الرضا بين النخب قبل التصويت دون السماح بمعارضة منظمة.
وقد انتشرت في الأسابيع الأخيرة شائعات عن موجة جديدة من التعبئة القسرية، مع خشية الكثير من الروس من أن الفترة التي تعقب الانتخابات قد تشهد إجراءات أكثر صرامة على الجبهتين العسكرية والاقتصادية، كما نقلت «نيويورك تايمز» عن محادثات في العاصمة. واقتبس «يوراكتيف» الخبير السياسي الروسي المنفي نيكولاي بتروف وهو يصف العملية بأنها طقس يراه الكرملين ضرورياً لإظهار النخب أن بوتين لا يزال يحظى بالثقة الشعبية، حتى لو كانت النتائج محددة سلفاً. وأضاف بتروف أن التصويت يعمل كمقياس للرأي العام حول الحرب التي تدخل الآن عامها الخامس، وهو منظور تردد صداه في تقييمات مستقلة متعددة لهذه العملية الخاضعة للسيطرة المشددة.
وخلص معهد «إس دبليو بي» في برلين إلى أن مجلس الدوما القادم سيعاني من صعوبة في منح شرعية حقيقية لحكم بوتين الشخصي، نظراً لاستبعاد الأصوات المعارضة ومحاكاة التعددية من خلال الأحزاب الموالية للكرملين فقط. وسيمتد التصويت إلى المناطق الأوكرانية الخاضعة للاحتلال الروسي، وهي سابقة أبرزها «زويس» في برلين كجزء من مساعي الكرملين لتأكيد الاستقرار النظامي وسط الظروف غير الطبيعية للحرب. وشدد تحليل لمجلس العلاقات الخارجية حول الاقتراعات الروسية السابقة، محدثاً للسياق الحالي، على أن مثل هذه التصويتات تتيح للقيادة حشد النخب البيروقراطية والإقليمية لضمان نسب مشاركة عالية وتأييد ساحق، وبالتالي إيصال إشارة بالسيطرة الثابتة إلى الجمهور المحلي والمراقبين الدوليين على حد سواء.
وأبرز عالم الاجتماع غريشين، الذي استشهد به روزنبرغ في مقاله، التباين الواضح مع الأنظمة الغربية حين شرح أن الانتخابات الروسية لا تشكل الحكومات أو تستبدلها بل تعمل كقناة لإرسال الإشارات إلى أصحاب السلطة دون أن تغير أبداً التوزيع الأساسي للسلطة. ويتوافق هذا الرأي مع دراسات أكاديمية أوسع، من بينها تلك المنشورة في «مجلة الديمقراطية»، التي صورت مثل هذه الاقتراعات كآليات يستخدمها الاستبداديون لإظهار القوة، وجمع معلومات عن المزاج العام، وإحباط الخصوم المحتملين. ورغم الإقرار الواسع بأن النتيجة محسومة سلفاً، فإن مزيجاً من الترويج لقدامى المحاربين وقمع المعارضة وتوجيه السياسات بعد التصويت يبقي العملية ذات صلة باستراتيجية الكرملين في زمن الحرب.
EN